الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

265

شرح ديوان ابن الفارض

ولا قبلها قبل ولا بعد بعدها وقبليّة الأبعاد فهي لها حتم [ المعنى ] « فلا قبلها » أي المدامة المذكورة . وقوله « قبل » أي زمن يقال فيه قبل . وقوله « ولا بعد بعدها » التقدير بعد . والثلاثة بفتح الباء الموحدة . أي ليس بعد البعد التي لتلك المدامة المذكورة بعد ، أي زمان يقال فيه هذا بعد هذا . وقوله « وقبلية الأبعاد » جمع بعد بالفتح يعني الزمن الذي يقال فيه قبل بالنسبة إلى كل زمن يقال فيه بعد بالإضافة إلى كل شيء . وقوله « فهي » أي تلك القبلية المنسوبة إلى كل بعدية من الأبعاد . وقوله « لها » أي للمدامة المذكورة . وقوله « حتم » بالحاء المهملة ، مصدر حتم الأمر عليه حتما أوجبه جزما . والمعنى أن قبلية كل بعد لهذه المدامة المذكورة على وجه القطع والجزم من غير شك ولا تردد أصلا . والمشار إليه في مجموع هذا البيت أن الحضرة الإلهية منزهة عن الدخول في قيود الزمان كما هي منزهة عن قيود المكان ، فلها القبلية المطلقة عن كل شيء والبعدية المطلقة عن كل شيء وهي في الأزل الذي هو الحضرة الدائمة المحيطة بالأزمنة كلها إحاطة واحدة فلا ماضي للأزلية ولا حال ولا استقبال . اه . وعصر المدى من قبله كان عصرها وعهد أبينا بعدها ولها اليتم [ المعنى ] « وعصر المدى » العصر الدهر ، والمدى الغاية . وأشار بعصر المدى إلى الدهر وهو الزمان الطويل الذي هو من مبدأ خلق العالم إلى حيث لا منتهى . وقوله « من قبله » أي من قبل عصر المدى الذي هو الدهر بمعنى الزمان الممتد عندهم لا بمعنى الدهر الذي هو من أسماء اللّه تعالى الحسنى . ولهذا كنى عنه بعصر المدى ولم يقل والدهر لأن الدهر بالمعنى الإلهي لا قبل له . وقوله « كان عصرها » أي وجد زمانها ، أي زمان تلك المدامة المذكورة . والعصر الثاني مصدر عصرت العنب ونحوه عصرا ، استخرجت ماءه واعتصرته ، كذلك واسم ذلك الماء العصير فعيل بمعنى مفعول ، وعصرها كناية عن تمييز عصيرها عن عنبها ، وهو تمييز الوجود الحق عن السور المتلبس بها هنا . وقوله « وعهد أبينا » أي آدم أبي البشر عليه السلام ، والعهد : الالتقاء والمعرفة ومنه عهدي به والزمان والموثق ووصية آدم عليه السلام عهد نبوّته أو أخذ الميثاق عليه ، كما قال تعالى : وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ [ آل عمران : الآية 81 ] وهو محمد صلى اللّه عليه وسلم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ [ آل عمران : الآية 81 ] الآية . أو عهد بنيه وهو يوم الميثاق ، كما قال تعالى : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى [ الأعراف : الآية 172 ] الآية . وقوله « بعدها » أي